الآخر في فكر العلامة الشهيد السيد محمد باقر الصدر (قدس)

 موقع بدر البصرة :   سالم عبد النبي العقابي   
 
عودة للصفحة الرئيسية 

محمد باقر الصدر كان مشروعا في زمن العقم في زمن امحلت فيه مراكز الثقافة العربية والاسلامية ومؤسساتها العلمية الكبيرة في ان تنتج جهازا ابداعيا وقدرة خلاقة قادرة على قراءة النص الاسلامي والتجربة الانسانية قراءة نظرية تستطيع ان تصارع الاخر او ان تكون بديلا لطروحاته لذلك كان يؤكد الصدر ان البناء النظري الاسلامي لم يؤسس له انسان يعيش كل ملابسات الجزئية الانسانية ولم يمنحه صبغة نظرية لان ذلك حتما سيؤدي به في نهاية المطاف الى رف من رفوف المتاحف كسائر النظريات التي خلع عنها الزمن قيمتها البراقة .
باقر الصدر آمن بقضية مفادها ان الذي اوجد الانسان تكوينا محال ان يلقيه عاريا دون ان يلبسه ثوب التشريع ودون ان يكون ذلك الثوب على مقاسات عالمه التكويني ومن هنا كان يؤكد وفي اكثر من مرة ان الاسلام لم يفسح المجال ولم يمنح الفرصة الكافية لاخذ دوره في بناء الانسان بناء يستوعب مختلف انماط سلوكه ونشاطه لذلك كان الفاصل الزمني طويلا بين تجربته الرائدة في العهد الاول وبين غيابه عن الحياة بالرغم من قصر تلك التجربة الا انه حقق قفزة نوعية على مستوى السلوك الانساني وتنظيم العلاقات لانه تجسد في سلوك اشخاص مبدئين حملوه فكرا ومنهجا وهدفا حينما اختزل لمصالح شخصية ونزعات استحواذية ضرب في الصميم واصيب بانتكاسات مريعة كان لها الاثر السيء والخطير في ان تكون ثقافة وسياقا ينطلق من خلالها خصومه لفهم تجربته الاولى .
الشهيد الصدر كان على قدر كبير من الوعي للاخر بدءا من الاداة ووصولا الى المنهج استوعبه جيدا وغاص في اعماق توجهاته وافكاره وزوايا اهدافه لانه " أي الاخر " كان مشروعا وبناءا نظريا يريد ابراز قدرته على تفسير كل مظاهر الحياة الطبيعية ويعطي رؤيته عن جوهرالنشاط البشري لذلك لم يكن الفردا عاش منسلخا عن منهجه او محيطه او جامدا على منجزه الفعلي لم يكن من شاكله من يبكي على مجد اجداده الغابر في الاند لس ولم يكن ثرثرة في مقاهي الكسل او ممن يعلق يأسه وهزيمته واحباطه بخيوط نظرية المؤامرة التي تصلبت في ذهنه حتى اصبحت مرجعا له يبرز هزيمته من خلالها انه الذي اراد ان يثبت ان الغيب الذي هو روضة ايمان الانسان وساحة تحقيق الاماني والامال لا يعدو ان يكون وهما وان الحاضنة التي تعتقد به ما هي الا مزرعة للافيون تريد تغييب وعي الشعوب وتخدر ارادتهم وان الفردوس التي وعد الانسان بها لا تتحقق الا عبر نظام الصيرورة وفي ظل ثالوثه الازلي .الصدر ادرك بعمق ان الاخر حينما اتخذ من نشاط الانسان وسلوكه رؤية ومنطلقا لتفسير الكون والحياة وكان يؤمن انه لايمكن اعطاء تفسير لمفاهيم الوجود بمعزل عن خبرة الانسان وثقافته التي ينتمي اليها بيد ان ما وقع فيه الاخر "بالتحديد" ان ذلك الواقع الذي اتخذه اساسا لهذه الرؤية كان واقعا مصطنعا ولدته مظاهر فوقية لواقع يعاني من خلل اذ لم ترتب فيه العلاقات والاواصر في بعدها الجوهري لذلك كانت الحلقات تبدو مفقودة عند ربطها بالاواصر او العلاقات الكونية الشمولية من هنا اتصف بالامانة في عرضه لطروحات الاخر بالروح العلمية والموضوعية في مناقشتها فالذي يقرأ كل انتاجاته يلحظ بعده عن التشنج والتحيز فحينما يمر على "باركلي" يقول انه "امام المثالية" وحينما يستعرض مذهب ماركس في القيمة الفائضة يقول بأنه (كيف فات الذكي "ماركس" ان يعطي تفسيرا لتشكيل هذه القيمة في .....)؟
كما تحدث عن "هيكل" فوصفه بالعملاق في رؤيته للمجتمع وحركة التاريخ اما على صعيد الفكر فقد اشاد بالجهاز النظري والعقل التأسيسي لرجالات الفكر الماركسي لانهم طرحوا رؤيتهم للاشياء وفق اسس نظرية بينما اخذ على الرأسمالية ان اتجاهها الفلسفي لم يكن واضحا او كان مقنعا بالرغم من تحديدها مرتكزات بنائها النظري المتمثل بالحريات الاربعة وهي الحرية الشخصية والفكرية والسياسية والاقتصادية واخذ عليهم انهم لو يعطوا تفسيرا دقيقاوعميقا لهذه الاسس بل تركوها عائمة .
باقر الصدر في مناقشته الرياضية لنظرية المعرفة في جانبها المنطقي والتي عالج فيها مشكلة الطفرة او الانتقال بالحكم من الجزيئات الى العموميات بنحو يستلزم اليقين وهي كما تضمنها بالتفصيل كتابه "الاسس المنطقية للاستقراء " انتج هذا المشروع الكبير ولم يكن يبغي ردود فعل المثقف الاسلامي فحسب بل كان يأمل رأي الاخر وردة فعله اتجاه هذه الدراسة وعلى هذا الاساس كلف الدكتور عباس البستاني بترجمة الكتاب للغة الفرنسية اداركا منه ان رد الاخر سيساهم في ترميم الكثير من الافكار وتقييم بعض الاحكام الوارد في ثنايا الكتاب والشيء حدث نفسه مع الدكتور زكي نجيب محمود وتلميذه محمد مهران حينما قاما بترجمة الكتاب الى اللغة الانكليزية وبعد فراغ ايضا من اطروحته "البنك اللاربوي في الاسلام" والتي كانت عبارة عن جواب لاستفتاء طرحه بيت التموين الكويتي ..
لم يكتف بعرضه على المؤسسات الاقتصادية والثقافية الاسلامية بل كلف الدكتور خليل الشماع وهو استاذ فاضل ومتخصص بادارة الاعمال في الجامعات الامريكية فطلب منه قراءة الكتاب قراءة دقيقة بنحو يستأنس الصدر بملاحظاته وهو ما حصل بالفعل فقد اخذ بملاحظته المعروفة حول الارصدة المعوضة وعموما يلاحظ ان مشروع الصدربني على دعامتين اساسيتين..
الاولى الواقعية والثانية الاخلاقية لذلك اكد في اكثر من موطن ان النظم الفاسدة قد تفرض واقعا فاسدا وتبني من خلاله مواقفها ورؤيتها والجهة الوحيدة القادرة على ايقاف ذلك السلوك هو الانسان لانه الكائن الوحيد الذي يختزل من القدرات مايجعله يتخلص من هذا الواقع ولا يستسلم له بل قد يساهم في قلبه في نهاية المطاف ولكن أي فرد هذا الذييمتلك قدرة سحرية ؟!!
يرى العلامة الصدر ان المبدأ الاخلاقي حينما يتشبع في كيان فرد ويسري في كل مفاصل حياته يتحول الى امة تمتلك كل مزايا الامة صاحبة المشروع الحضاري وهو ما نص عليه القرآن الكريم..
" ان ابراهيم كان امة قانتا لله " ففي قوانين السنن ان الحضارات تسقط عبرالصراع الذي تنتصر فيها الحضارة صاحبة القوة والعناصر الحية التي تحفظ لها ديمومتها بينما تسقط الحضارة الخاوية التي لاتخلو من تلك العناصرهذا هو اسمى فهم طرحه مفكر
معاصر اتخذ من الالهية مذهبا للصراع مع المذاهب الاخرى .